حسن الأمين
267
مستدركات أعيان الشيعة
من قصيدة الزركلي منذ ذلك الحين وأكتبه الآن من ذاكرتي هذه الأبيات : العين بعد فراقها الوطنا لا ساكنا ألفت ولا سكنا ريانة بالدمع أقلقها أن لا تحس كرى ولا وسنا والقلب لولا أنة صعدت أنكرته وشككت فيه أنا يا طائرا غنى على غصن والنيل يسقي ذلك الغصنا زدني وهج ما شئت من شجني إن كنت مثلي تعرف الشجنا أذكرتني بردى وواديه والطير أحادا به وثنا واحبة أسررت من كلفي وهواي فيهم لاعجا كمنا ما كنت أحسبني مفارقهم حتى تفارق روحي البدنا يا موطنا عبث الزمان به من ذا الذي أغرى بك الزمنا عطفوا عليك فاوسعوك أذى وهم يسمون الأذى مننا وحنوا عليك فجردوا قضبا مسنونة وتقدموا بقنا كم ذا أغالبه ويغلبني دمع إذا كفكفته هتنا ومن قصيدة عادل أرسلان : يا خير مهلا لا تثر شجنا حسبي وحسبك لوعة وضنا النيل ماء الشرق قاطبة لكنهم قد كدروه لنا ولقد حببت إلي هذه القصيد شعر خير الدين الزركلي ، وخير الدين نفسه وصرت أتابع شعره فوقع لي منه قصيدته الدالية التي نظمها في أعقاب يوم ميسلون والتي يقول فيها : غلت المراجل فاستشاطت أمة عربية غضبى وثار وقود ولقد رأيت جموعها وثابة لو كان يدفع بالصدور حديد على أننا لم نلبث أن فوجئنا بهجوم النجديين على الحجاز وإسقاطهم الملك حسين وإخراجه من بلاده . وقد كان الحسين يمثل في نظرنا الصمود العربي الأصيل في وجه المطامع الاستعمارية . وكان عناده ورفضه التسليم بواقع الانتداب الانكليزي في فلسطين وما وراءه من وعد بلفور مع ما يهدده من غضب الإنكليز من خسران للملك . كان هذا الصمود من الحسين مثار إعجابنا وموضع تقديرنا ، لذلك كان سقوطه صدمة قوية لنا ، فإذا بالزركلي يشمت بالحسين ، ويحمله وزر مغاضبة ولده عبد الله له ، فينظم قصيدة مطلعها : صبر العظيم على العظيم جبار زمزم والحطيم هذه القصيدة التي قالت عنها مجلة العرفان يوم ذاك : « . . . وبمداد التشفي وقلة النصف نظمت قصيدة الزركلي » . فكرهنا الزركلي وأعرضنا عن شعره . ولكن لم تلبث الثورة السورية بعد ذلك أن اشتعلت فإذا بالزركلي شاعرها الغريد . وإذا بي أعود لاستظهار شعر الزركلي ولحب الزركلي ، وهو حب اتصل بعد ذلك ، إلى أن لقيته بعد سنين وسنين فزاد اللقاء الحب حبا . وتنتهي الثورة السورية فيلجأ بطلها سلطان الأطرش وعادل أرسلان إلى النبك في صحراء الجوف . وهناك في ذلك المنتأى الكئيب يفاجا عادل أرسلان بموت أخيه نسيب فيرثيه بقصيدة تصل إلي فاستظهرها ، وفيها يقول : نفى النوم ما هاج الضمير المناجيا أفي الغيب ما أخشى وإلا فما ليا وذي تلعات النبك لاقت نواظري تمثل فيها ضاحك الروض باكيا على النخلات الخمس يطغين في الضحى يشرن إلى المشتاق أن لا تلاقيا تمايل من هوج الرياح كأنها نوادب يحثين التراب بواكيا بلى قد مضى والقلب يهفو لذكره نسيب وخلى آهل الربع خاليا فيا نائيا أواه لو أن نظرة تزودتها من قبل أن صرت نائيا ويا جدثا فوق الشويفات مشرفا بروض من الريحان ريان عاليا طواك على الرمح الرديني خالق وأغمد فيك السيف عضبا يمانيا وكنت أرجيها رسالة واله على أمل اللقيا فكانت مراثيا فيا لك من شعر سداه مدامع ولحمته نفس تذوب قوافيا تحول قسرا في النسيب مراثيا ويا ليت لي ألفاظه والمعانيا شقيقك من يعرفك يعرف مصابه ويرثي له راثيك حالا وآتيا رأبت صدوع الدهر في مواسيا وكنت لنفسي بالتعهد آسيا بدرت لأمر كنت تعرف سره وتجعل منه للرجال مناحيا ولولاه لم أصبر على البعد ساعة فعفوك عن بعدي سنينا ثمانيا تطلعت أبغي من ذري الشوف نظرة فاعيت وقد أبعدت فيها المراميا رمونا بديناميت حتى تقلقلت جبال على حوران كانت رواسيا فما غيروا القلب الذي كان مخلصا ولا أوهنوا العزم الذي كان ماضيا ودبوا بابراج الحديد كأنها سلاحف ما يمشين إلا تهاديا دوارع يلقاها الفتى وهو حاسر يصادمها بالفأس جذلان حاديا فبينا تراها زاحفات أذابها أسافلها صارت عليها أعاليا تواريخها مسطورة في متونها متونا بافعال الظبي وحواشيا أقول لمن يبلو لدى الخطب صبرنا ترى الصبر فينا شيمة وتواصيا ونركب للغايات قبل خيولنا من العزم والاقدام جردا مذاكيا هذا بعض ما لا أزال أتذكره من تلك القصيدة الفريدة . وقد نشرتها أول ما نشرتها جريدة الجامعة العربية في القدس وعنها نقلها جبران التويني في جريدته الأحرار وقدم لها بمقدمة طيبة ومن الأحرار أخذتها وحفظتها . وفي صحراء النبك التقى من جديد خير الدين الزركلي وعادل أرسلان . وعاد الزركلي من هناك فأرسل لعادل قصيدة يقول فيها : إلى بطلي فخر العروبة عادل مجير الحمى والفارس الندب سلطان إلى عصبة تأبى الغضاضة خيلها وفرسانها أكرم بخيل وفرسان فأجابه عادل بقصيدة يقول فيها : بقية أبطال لو أن زمانهم تقدم لم تسمع بعبس وذبيان قرأت لهم شعر الزركلي فيهم فهز بهم من نجدة أي أغصان وهموا فلو لا حكمة لا أذيعها سمعت الوغى ما بين حوط وعرمان ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة وليس بسوريا مقر « لغملان » ومن المؤسف أن شعر عادل أرسلان قد ضاع فلم يوجد بين أهله وعشيرته من يجمعه وينشره ، كما أن شعر الزركلي مطوي على الرفوف لا ينشر ولا يذاع .